صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

26

تفسير القرآن الكريم

ليتوسّلوا بهما إلى الهدى والفلاح وسبّبوا بهما إلى تحصيل السمع المعنوي والبصيرة الباطنيّة لدفع الشبهات وإزالة الظلمات في طريق الهداية وسلوك الآخرة طلبا للحياة الباقية وتقرّبا إلى اللّه معطى الخيرات الأبديّة ثمّ إنّهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة وسدوّها عن الفوائد الآجلة ، وهذه المدركات مع مداركها أمور ذاهبة زائلة ولو شاء اللّه لجعلهم عادمين للسمع والأبصار كما هم عليها في القيمة يوم لا نور إلّا نور المعرفة والايمان . فصل [ التشبيه هنا مركّب ، أم مفرّق ؟ ] قد يقال : وقع في التمثيلين تشبيه أشياء بأشياء ؛ فأين ذكر المشبّهات فيهما ؟ وما المشبّه بالصيّب ، والظلمات ، والرعد ، والبرق ، والصواعق هاهنا ؟ وهلّا صرّح بها ، كما في قوله : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [ 35 / 19 ] وكقول امرؤ القيس : كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي فيجاب بأنّه يجوز كون المشبّه في المفردات مطويّا ذكره على سنن الاستعارة من قوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ [ 35 / 12 ] . ولعلماء البيان في هذا الموضع قولان : أحدهما ما سلكنا سبيله وأوضحنا طريقه وهو تشبيه مفرّق معناه أن يكون الممثّل مركّبا من أمور والممثّل له أيضا كذلك ، ويكون كل واحد من آحاد أحدهما شبيها بما يوازنه من الآخر من غير اشتراط أن يكون جميع أعداد المركّب للمشبّه مذكورا صريحا كما علمت من التطبيق الذي مرّ ذكره . والثاني ما اختاره صاحب الكشاف قائلا « 1 » : إنّ الصحيح الذي عليه علماء

--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 162 .